|
بين
ضفتين: يوميات مختلفة وحضور نسوي...
كتب
عبد الباسط خلف:
في
الطريق من جنين إلى أريحا بوسع المسافر إلى الأردن تدوين طيف هائل من
الإشارات، كما يجتهد في وضع ترتيبات خاصة قبل أن يطارد النهار آخر الليل،
تبدأ قائمة المسافرين بالاكتمال التدريجي: فيبكرون ما أمكن في محاولة
أخرى للتفوق على حرارة الخريف غير المعتادة، هند وأطفالها يغطون في نوم
غير هادئ،و ينشط حاتم وسمير في مقاومة النعاس فنوم من طراز كهذا لا يتوافق
و مقاعد المركبة، السائق بدورة يسرف في البحث عن طرق التفافية.
بعد جهد وعناء نصل استراحة الجسر، في هذا
النهار يحتاج الصائمون لاستراحة رمضانية تخفف من حدة العطش الذي يطوق
أعماق أعناقهم.
أرقام
في الاستراحة أيضاً تبدأ حلقة
أخرى، فالقوائم طويلة ولا ينسى المسافر أنه يجبر لساعات على التخلي عن
إنسانيته ويصبح رقماً، تارة في طابور المغادرين وأخرى لجواز العبور أو
بطاقة السفر، وثالثة في حفظ أرقام الطرود والأمتعة وأرقام عدم الممانعة.
قليلا من الوقت ينقضي فيما تظل الحرارة على
حالها، يهرب المسافرون من الحافلة الحارة باتجاه ظل أحسن حالا بقليل، تحت
شجرة الورد الضخمة تنبعث أحاديث عفوية، ونمتلك خليطاً من المسافرين، سامر
يصطحب زوجته من بيت لحم للعبور إلى الولايات المتحدة، علي وزوجته في
طريقهما إلى العمرة، الحاجة البتينية( نسبة لبلدة بتين في قضاء رام الله)
تسعى لقضاء شهر الصوم في رفقة أولادها الذين فرقتهم الأقدار، بشكل قسري.
جندر
مختلف
في
بوابة معبر " النبي" يدخل المغادرون في علاقة أخرى بالانتظار والأرقام،
تلتقط بدورك إشارة واضحة ، موظفات " أمن" المعبر في استراحة غداء ونقاهة
،وفقط واحدة تكمل إجراءات فحص المعبر لأربع حافلات( مائتي مسافر
ومغادرة) .
تشرع المجندة الشقراء، في تمرير أربع
طوابير، تختار بعشوائية من كل رأس صف مسافراً للعبور.
بين السطور تشاهد انحيازا ضد النساء، وهو
الأمر الذي شكل نقطة توقف لكثيرين، يقول سالم إبراهيم: نعتاد في محطات
كثيرة أن تمارس المرأة دور المسهل على نظيرتها أما أن تعاملها بالقليل من
الذوق والأدب والفظاظة فتلك مسألة تحتاج لتحليل.
بعربية محطمة الأحرف ومخارج الصوت واللكنة،
تقول عاملة الأمن لمسافرة كهلة: يالله "بسرئة"، وفي مناسبة ثانية تخطئ
الحاجة الطاعنة في السن فتتقدم لتسليم أوراق عبورها، ترجعها الموظفة بشيء
من السادية.
طلاق
وتمييز
يقترب الغروب ونحن في الضفة الشرقية من
النهر، نقلع كل إلى وجهته في المملكة الأردنية، يوقعك الحظ مع سائق يقطن
أربد ، يجلس خلف مقود منذ حفنة من الزمان، أبو العبد هذا يتحدث بشكل جميل
عن الجندر والمساواة والتمييز، فيقول: تصور يا صحافي، وأكتب، كيف طلّق
ابن عمي ابنتي لأنها أنجبت ثلاثة إناث!
تتوغل في أعماقه الظامئة ، فيخبرك بأن السبب
وراء ذلك والدته التي تريد أن تطلق زغرودة فرح بولد....
شيئاً فشيئاً ننتشر إلى قلب العاصمة
الأردنية، نصلها لنهبط إلى مركبة أخرى، في داخلها، ندون ما قالته الحاجة
الستينية، حرمت الركوب في الحافلات العمومية، لأنهم يعاملوننا كسردين،
تخبرنا لاحقاً بأن الشبان لا يتنازلون عن مقاعدهم لصالح النساء ولو كنّ
طاعنات في السن ، يتأكد حديثها بسرعة فالحافلات تبدو من بعيد كشاحنات،
تقترح الحاجة التخلص من المقاعد ليتساوي الجميع وقوفاً...
في أحشاء دكان واسع للتراثيات والمطرزات
تتصادف بثلاثة إندونيسيين، قدموا لسياحة أسيوية- أسيوية، وقفوا بانتظار
دورهم كي يدون أسماء من يحبون على قطع رميلة ملونة تتكدس في زجاج شفاف،
تسأل أحدم، عن خسارة الرئيسة ميغاواتي سكوارنوا في الانتخابات الأخيرة،
فتعرف أنه لم يصوت لصالحها، تسأله عن السبب، فيجيب: شخصية المرأة لا تصلح
وتختلف عن الرجال، تذكرة بنساء حديديات حكم بلاداّ وأثبتن جدارتهن كمارغيت
تاتشر وكرازون أكينوا الفلبينية، وتذكره بقرار نظيرتها الحالية التي أخرجت
جيشها من العراق من أجل عيون سائق شاحنة أختطف في العراق، يبدي يوسف قدراً
من الندم على التمييز ويتمنى أن لو تعاد اللعبة الديمقراطية إلى الوراء
ليمنح ثقته إلى رئيسة..
في جبل اللويبدة
– مركز الإعلاميات العربيات
ترقد بناية عتيقة، تحاط بأشجار ظل ضخمة، في
الأعلى قليلاُ تثبت يافطة تحمل أسم: مركز الإعلاميات العربيات، قبل العثور
عليه تتذكر كيف أخفق صاحب مكتب السفريات في إرشادك للشارع الذي يحمل اسم
الإعلاميات العربيات، رغم أنه لا يبتعد عن مكتبه بضع خطوات...
تجهد مديرة المركز، الصحافية محاسن
الإمام في
التجهيز للذكرى السنوية لولادة المركز في الخامس من ديسيمبر، تخبرك بأنها
تجهد في إصدار كتاب وإنتاج فيلم عن النساء العربيات.
في قلب المركز تستذكر وأن تطالع " بوابة
وشبابيك"، الكتاب الذي تحول لفيلم أبنه السائق الإربدي، التي أنطبق عليها
بعض من قول الأستاذة محاسن: هؤلاء المخلوقات اللطيفة اللواتي يعبرن البوابة
من أوسع الأبواب، على أنسام الصبا ليفترقن في حجرات الزواج، منهن من تجد
متسعاً ونوراً، ومنهن من تجد كهفاً بارداً موحشاً كظلام القبور، وحتى هؤلاء
منهن صاحبة الحظ، إن وجدت في ظلام الكهف متسعاً للألم والصراخ والتخبط،
ومنهن من لا تجد حتى هذا المتسع في حجراتها التي تضيق عليها حتى تصير
الزنزانة محسودة في مرائيها، ولا يبقى سوى الشبابيك لهؤلاء الضحايا.
في الفيلم الذي أخرجه وأعده
السيناريو الخاص به جبريل الشيخ، يتعرف المرء لدلالة الشبابيك والبوابات،
ويتعرف أيضاً إلى الخلع ويتعرف إلى أرقام من طراز: أن العام 1999 شهد في
الأردن 7885 حالة طلاق مقارنة بـ ـ4694 في العام 1989.
تفاصيل أكثر وبقلم الكاتب يرجى الضغط
هنا |