قضي
ياسين سبع سنوات ينتظر أن يمن الله
عليه بطفل ..وقبل أن تكتمل تلك
السنوات حقق الله له أمنيته ... لكن
طفله ولد مريضا ..بقي ستة شهور يعاني
ولم يعد بوسع أطباء المشفى فعل شيء...
نصحوه بمشفى تل الربيع لعلاجه..الوقت
ضيق وحال الطفل تزداد سوءا... أمام
ياسين يوم شاق يستصدر فيه تصريحا
لإدخال ابنه المشفى ..سارع في
الصباح لعمل الإجراءات اللازمة..عند
وصوله معبر بيت حانون، الناس
يتزاحمون ... بقي ممسكا بتقرير ابنه
الطبي وهويته وأوراق أخرى خشية
ضياعها ..رغم كثرة الحواجز وصل
بوابة الدخول ..ناول الضابط المسئول
أوراقه . أشار إليه أن يتجه جانباً
... أمسك يده واصطحبه إلى غرفة مهيأة
لاستقبال الضيوف ..فراش وثير
والأثاث فاخر ..طلب الضابط منه
الجلوس مشيرا الى مقعد يحتل صدر
الغرفة ثم قدم له كوبا من العصير ..وأخذ
يخاطب ياسين باللغة العربية وبلهجة
غزية .. لازمت وجهه علامات الفرح
والنشوة وياسين ينظر إليه بحذر ..
أما ياسين فقد كست وجهه علامات
القلق والخوف .. ليس أمام أحدهما وقت
يضيعه .. ألقى الضابط عرضه بسرعة ..كل
شيء شعر به ياسين هيأ لذلك العرض
فكان جوابه سريعا:
-
طلبك مرفوض.
رد
الضابط مستغربا:
-
نحتاج قليلاً من المعلومات فقط لا
نحتاجك جاسوسا يا ياسين .
-
ليس كذلك ولكن لا خيار لي فأنا لا
أريد مالكم ولا رزقكم ولا أنتم
تمنحون لي الحياة ... الأعمار بيد
الله والمال والرضا من عند الله.
بدت
خيبة الظن واضحة على الضابط فبدأ
يتأهب لخطوة جديدة ... تابع :
-
أرى أن توافق على الخيار الأول
لاننا سنخرجك من هنا بعد حقنك بدم
ملوث بفيروس نقص المناعة لتنعم
بوطنيتك إذا رفضت ما عرضته عليك.
لم
يجب ياسين ... صمت قليلاً وأطرق
برأسه في الأرض ثم نهض فجأة ... مد
يده دون تردد:
-
هيأ أحقن . تزايد غضب الضابط وتضاعف
مع كل نظرة يرمق فيها وجه ياسين،
فراح يشتمه بأقذع الألفاظ.
أوامر
جهازه لم تدع أمامه كثيرا من الوقت
فحقن ياسين الذي لم يزل رأسه مرفوعا
وابتسامة غريبة على وجهه وهو يقول:
-
الرصاص ليس أبشع وسائل القتل لديكم
أيها اليهود!. أطلق سراحه .. سار في
الطريق هائماً .. وأفكار متزاحمة
تلاحقه ... وصل بيته وفوجئ بموت ابنه
المريض ... الطبيب لا يزال عند زوجته
التي أغمي عليها عند موت طفلها ..لكن
الطبيب أخبره بسبب آخر لهذا
الإغماء :
-
إنها حامل في الأشهر الأولى .
لحظات
صمت عميقة ..أنهاها بدموع لم يعرف
أكان سببها حزنه على طفله المفارق
أم فرحه على الذي هو آت ..من لهفته
تساءل:
-
هل سيسمح لي المرض برؤية الطفل
الموعود؟.
ذهب
إلى الطبيب قاصا حكايته مع الدم
الملوث ..وبعد فحوصات دقيقة ..وجد
الطبيب تفسيرا وحيدا لعدم موته .
-
الفيروس الموجود في حقنة الدم ..مات
قبل لحظات قليلة من الحقن .