ورقة عمل مقدمه من
الأستاذه تانيا مهنا
LBC
تجربتي كمراسل حربي
لمؤتمر الإعلاميات العربيات 2002
مراسل حربي, انها مهنة قال البعض عنها انها مخصصة للرجال او انها تتطلب بالاضافة الى قوة الشخصية قساوة في القلب و قدرة على تجاهل العواطف.
اطلاقاً من هذا التعريف، ما الذي يمكن ان يدفع امرأة صحافية لبنانية عربية الى ترك منزلها و بيئتها و الانتقال الى مختلف بلدان العالم لتغطية الصراعات و الحروب؟؟؟؟
اولاً، و اذا سألتم عن رأي بهذا الموضوع بعد 14 سنة من العمل في ساحة المعارك و الحروب، اقول لكم ان اسوء المراسلين الحربيين هم اليوم الذين يتمتعون بصفات القساوة و انعدام العواطف دون غيرها.
ثانياً، عندما يترعرع المرء و ينمو في اجواء الحرب, يتنقل الى مدرسته او جامعته وسط دوي المدافع، محاولاً تفادي اهمارالقذائف و الصواريخ، مشاهداً سقوط ضحايا حوله من اقربائه و اصدقائه و احبائه، عندما يذهب المرء الى النوم كل ليلة غير متأكد من انه سيصحو على نهار جديد ، عندها يصبح لديه او ربما يجب ان نقول لديها هنا لاننا نتحدث بالتحديد عن المرأة ، اللبنانية ، العربية ، و الصحافية ، يصبح لديها اذاً حس و تفهم لموضوع الحروب و الصراعات غير موجود عند الاشخاص الذين لم يمروا بنفس التجربة.
ثالثاً، تظهر المرأة الصحافية حساً و تفهماً رفيعاً لعدد اكبر من المواضيع. فالحروب ليست فقط بعض الخيارات العسكرية التي يتخذها اصحاب القرار وراء مكاتبهم، او بعض القادة العسكريين من وراء مدافعهم و بنادقهم ، الحرب ليست فقط قنابل و صواريخ و متفجرات و قنص و معارك, الحرب لديها ايضاً انعكسات على الجانب الانساني و هذا الوجه هو الذي اردت ان ابرزه من خلال عملي كمراسلة حربية.
ربما الطريقة الافضل لفهم هذا الطرح هي في العودة الى بعض القضايا التي ناضلت من اجلها و ووظفت كل طاقاتي وتعبي وعملي فيها كي لا تبقى مسائل مجهولة بالنسبة للآخرين او موضوع لا يكترثون له.
انطلاقاً مما يسميه الانكليز "حديقتكم الخاصة" او
“your own backyard” الى اقاصي بلدان العالم، الصراع او المعركة هي نفسها و تبدأ من احساس في القلب يتطور الى تصور عقلاني لما يمكن ان يكون الحل او الطريق الى الحل.
بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، بدأت كمراسلة صحافية اجوب هذه المنطقة من بلادي التي كنت اجهلها تماماً و اكتشفت منطقة ذات طبيعة خلابة، استثنائية من حيث التنوع البئي فيها و طيبة سكانها بالرغم من المآسي التي عاشوها على مدى سنين الحرب الطويلة. و لكنني صدمت ايضاً عندما عرفت ان هذه الطبيعة كانت طبيعة مفخخة نوعاً ما بسبب الالغام التي زرعت في مختلف ارجائها. المشكلة التي واجهها اهالي المنطقة كانت ايضاً قيام بعض زوارها بنزع اللافتات المحذرة من الالغام لاخذها كذكريات او كغنائم حرب.
هذا الامر جعلني اقوم، و بمبادرة فردية، بحملة توعية على اخطار الالغام ، فكنت بكل تقرير ابثه على شاشة ال lbc اعيد و اذكر بضرورة عدم الاقتراب من الاماكن التي كانت مراكز عسكرية قديمة، كما كنت الفت انتباه زوار المنطقة المحررة على ضرورة البقاء على الطرقات الرئيسية و عدم السير على التراب وعلى جوانب هذه الطرقات قبل ان يتم تنظيفها تماماً من المتفجرات من قبل الاخصائيين.
و صادف انني نقلت مأساة طفلين صغيرين انفجر فيهما لغم ارضي و هذه القصة ساهمت في تحريك الرأي العام اللبناني حول ضرورة اخذ هذا الموضوع بمحمل الجدية و كان هذا التقرير بمثابة تلخيص لمعاناة اهل الجنوب. الحرب كانت انتهت و لكن عواقبها و افرازاتها يحملها الانسان معه مدى الحياة.
معاناة الانسان من جراء الحروب ليست موضوع يخصص حصرياً لبلد او لمنطقة فالانسان هو هو اينما كان و لعل اكثر الاماكن التي اثرت في خلال السنتين الاخيرتين كانت تغطية الحرب في باكستان و افغانستان لحوالي 3 اشهر.
في المرحلة الاولى ، و مع اختياري التواجد في المناطق القريبة من الحدود الباكستانية- الافغانية، كان علي التعاطي مع كون هذه المنطق تطغوا عليها التقاليد القبلية فلا دور للمرأة في الحياة السياسية او في مركز القرار. كنت اواجه صعوبة في تغطية التظاهرات مثلاً حيث كنت اتعرض للشتم و البصق و الركل كوني امرأة موجودة بين مجموعة من الرجال بالرغم من وضعي الحجاب احتراماً لتقاليد البلاد. كتابتي اللغة العربية خلال تسجيلي الملاحظات للتغطية الاعلامية ساعدتني في احدى هذه المناسبات حيث اعتبر المتظاهرون انها لغة القرآن و يجب احترام الشخص الذي يتقنها. معرفة عدة لغات اخرى لعب دوره ايضاً في التمكن من التعاطي مع الواقع الباكستاني-الافغاني ، فاتقان لغات اخرى مثل الانكليزية و الفرنسية ساعدتني ايضاً على الحصول على معلومات دقيقة و اقامة علاقات متينة مع اشخاص نافذين آخرين الامر الذي ادى بقائي و مصوري اليوم على قيد الحياة.
توجهت الى مدينة كويتا عندما سمعت انه تم نقل جرحى و مصابي القصف الاميركي على قنداهار عبر الحدود الى عاصمة ولاية بالوشستان للمعالجة، و علمت ايضاً ان معظمهم كانوا من الطالبان. وجدناهم في مستشفى كويتا الحكومي و كانوا يرفضون التصوير او التحدث مع الصحافيين ، و حدث ان طبيبهم المعالج كان شاباً يتكلم الانكليزية و اراد ان يساعدنا، فدخلت معه و مع مصوري الى صالة المرضى و بدءنا شيئاً فشيئاً نحاول ان نعرف ما حدث لكل واحد منهم : بقي الجو متوتراً و الحوار شبه غائب الى ان سأل احدهم من يكون الرجل الذي يصور معي و ما هي صلة القرابة بيننا ؟ فقلت انه زوجي ، عندها تغيرت الاوضاع و ابتسمت الوجوه و انطلقت الالسنة لانني اصبحت بنظر هؤلاء الرجال امرأة محترمة يرافقها زوجها بعملها و حصلنا يومها على مقابلات عديدة و شهادات من مقاتلين افغان سردوا لنا حياتهم و حياة عائلاتهم تحت القصف الاميركي و كانت هذه الشهادات من دون رقابة.
في مستشفى كويتا ايضاً ، هناك قسم جراحة للاطفال الرضع و كانت ظروفه الصحية سيئة جداً فعلى سبيل المثال القطط تسير تحت اسرة الاطفال المرضى منتظرة الحصول على بقايا اي طعام يرمى من قبل هؤلاء المرضى او عائلاتهم..... في احد الغرف كانت هناك حاضنة وضعت فيها طفلة ولدت في الشهر السابع و كانت الذبابات تشاركن الطفلة آلآت التنفس الاصطناعي التي كانت تساعدها على البقاء.
على احد الاسرة الى جانبها، كان هناك طفلة صغيرة عمرها 6 ايام تعاني من عقدة في الامعاء منذ ولادتها و عندما سألت جدتها الى جانبها عن اسمها: قالت لا شيء, لم تعطى الطفلة اسماً لان اهلها ظنوا انها لن تعيش. لا اعتقد انني احسست باليأس اي يوم في حياتي اكثر من هذا اليوم لانني شعرت ان حس الانسانية غاب عن هذا المكان و مهما كانت الجهود التي ممكن ان ابزلها و يبزلها الذين حولي مثل الطبيب الذي كان يحاول جهداً ان يخفف من آلام مرضاه ً فلن نتمكن من تغيير اي شيء.
مهمة المراسل الحربي ،يجب ان لا نسى، تبقى ايضاً تغطية وقائع الحروب و يتم ذلك احياناً عبر تعريض نفسه للخطر للتمكن من نقل الحقيقة. هذا الوصف ينطبق على الطريقة التي دخلت فيها الى افغانستان مع مصوري سمير بيتموني و عدد من الصحافيين الدوليين. لم نكن نعلم اذا كان الطالبان وعناصر القاعدة انسحبوا فعلاً من ولاية ناهرانغار, كان هدفنا الوصول الى مدينة جلالاباد بينما كانت المعارك لا تزال مستمرة في باقي انحاء البلاد. رائحة البارود منتشرة على طول الطريق التي سلكنها و من الناحية العسكرية ، انها دلالة على ان القصف حديث العهد . لم نكن نعلم اذا كان المسلحون المنتشرون على التلال التي تحيط معبر torkham سيطلقون النار على قافلتنا ام لا. الدخول عبر هذه المنطقة كان مخاطرة كبيرة اذ اننا سبقنا قوات الحلفاء العسكرية و لم نكن نجد احد ليضمن سلامتنا. اجبرنا و لاسباب امنية الى النوم على الارض تحت طاولة غرفة طعام حاكم المدينة ، استعملت مع مصوري قاعدة الكاميرا الثلاثية (tripod) كوسادة و ربطنا باقي المعدات في ارجلنا كي لا تسرق و حاولنا النوم بالرغم من البرد القارص و لم يكن لدينا اي غطاء.
في الصباح التالي ذهبنا نستكشف معالم المدينة، و جميع الاماكن العسكرية و المدنية التي تعرضت للقصف او شهدت معارك. حاولنا بدقة و عناية ان ننقل كيف غيرت الحرب حياة مدينة و سكانها..... غير مكترثين للاخطار التي كنا معرضين لها بسبب الالغام او القذائف غير المتفجرة و لكن ايضاً بسبب بعض مؤيدي تنظيم القاعدة الذين كانوا غاضبين لوجودنا في المدينة او معارضين للجماعة و الاشخاص الذين ساعدونا في الدخول الى قلب افغانستان، و هؤلاء المؤيدون لم يترددوا لحظة في قتل 4 زملاء لنا تابعوا طريقهم من جلالاباد الى كابول.
و بالنهاية عندما نطرح كمراسلات هذه المواضيع على شاشات التلفزة، نحن لا نبحث عن الاثارة بل نبحث عن لفت النظر. هذه المواضيع التي ربما تبدو قاسية او صعبة الفهم او التفهم احياناً، الهدف منها هي جعل المشاهد يقف و لو للحظة و يشعر انه مهما كان الموضوع بعيداً عنه الا انه يمكن ان يعنيه بالدرجة الاولى و بالتالي عليه ان يقوم بردة فعل.
فمشاهدة صور عنيفة او مزلة يمكن ان تدفع المشاهد الى رفع الصوت لمنع تكرار الاحداث التي ادت الى وقوع الضحايا و الدمار، و لكن في المقابل نقل الصور الجميلة و المشاهد الخلابة و المغامرات الايجابية يمكن ان تدفع كل انسان بالمطالبة بالمزيد او في بعض الاحيان محاولة القيام بالمثل.
فانا المرأة العربية مراسلة الحرب الصحافية اريد ان اتمكن يوماً من القول انه من خلال عملي ونقلي للاحداث والتاريخ من حولي استطعت و لو بنسبة قليلة ان اساهم في تغيير جزء من العالم نحو الافضل.