المذيعات
العربيات....
صورة جديدة
للمرأة أم أداة لتسويق المحطات الفضائية؟
ورقة مقدمة من
د.خولة
مطر [ مملكة البحرين ] لمؤتمر
الاعلاميات العربيات 16 18 حزيران /
يونيو 2001 عمان
الأردن مقدمة:
لقد شهد
العالم العديد من التحولات خلال العشر
سنوات الأخيرة التي تميزت بالتعقيد
والتداخل. فمن عولمة للاقتصاد إلى إعادة
هيكلة وخصخصة القطاعات الحيوية في أي بلد.
وعلى الجانب الأخر او الأهم شهدت هذه الحقبة
طفرة في مجال الاتصالات والأعلام حتى اصبح
امتلاك القدرة على استخدام شبكة الإنترنت
او الهاتف او التلفزيون يعد من المؤشرات
الهامة للتنمية البشرية في أي بلد. وهنا تجدر
الإشارة إلى ان العالم العربي يأتي في ذيل
المناطق في العالم في مجال التنمية البشرية
وخاصة بالنسبة لنصيب الفرد من التقنيات
الحديثة وخاصة في مجال الاتصال. وفيما
ركز العديد من الباحثين في دراساتهم على
انعكاسات العولمة على المجالات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية،
اهتم البعض بدراسة عولمة وسائل الاتصال
والأعلام. وهذه الأخيرة على درجة كبيرة من
الأهمية لكونها تهتم بالمناخ المعرفي
وتؤثر أيضا على مجمل حياة البشر فتغير من
عاداتهم وأساليب معيشتهم وحتى نظرتهم إلى
أنفسهم في مقابل العالم الواسع. وإذا كانت "المعرفة"
قوة، أذن فأن أجهزة الاتصال والأعلام هي
المسؤولة عن منح هذه القوة او حجبها. فهناك
عولمة للمعلومات نفسها واحتكارها من قبل
المنتجين، وعولمة لأنماط الحياة من خلال
الترويج لها عبر وسائل الأعلام (سواء بوعي او
عن غير وعي)، وعولمة للثقافة، وعولمة للقيم
الاجتماعية لكون وسائل الاتصال الحديثة
وأجهزة التلفزيون على وجه الخصوص قد
استطاعت الوصول والدخول إلى كل منزل دون
استئذان حتى تلك النائية منها. ومع انتشار
القنوات الفضائية أصبحت هذه المقولة أكثر
صحة ولم يعد سكان الريف والجبال والمدن
النائية بعيدين أيضا عن وسائل الاتصال بل ان
أحد المشاهد المؤثرة لأي من المناطق
النائية في الدول العربية هو رؤية أطباق
الاستقبال على سطوح "العشش" قبل المنازل.
وكان من ابرز مظاهر العولمة
هو ظهور سلع غير ملموسة وغير متعارف عليها
سابقا كسلع مثل الأفكار والتصميمات
ومنتجات أخرى لا تبدو في شكلها الخارجي كسلع.
الى جانب الاهتمام بزيادة الإنتاج مع قلة في
التكلفة مع زيادة في الربحية والمزيد من
التوزيع غير المتكافئ وتمركز بعض المواد،
وفي مجالنا هذا، صناعة الأعلام في يد فئة
صغيرة من الرأسماليين. فاصبح التحدي
الحقيقي اليوم امام العديد من الدول
الصناعية قبل النامية هو مواجهة مضمون
العولمة وليس أدوات العولمة الممثلة في
أجهزة الاتصال الحديثة.
كما ان العشر سنوات الأخيرة
شهدت أيضا حركة نشطة في مجال حقوق الإنسان
الأساسية وخاصة حقه في المواطنة ومفهوم
المواطنة الذي يعد من المصطلحات الجديدة،
رغم قدمه، في منطقتنا العربية لانه وحتى وقت
قريب وحتى الان في العديد من الدول العربية
يستخدم تعبير "رعايا" بدلا من "مواطني"
الدولة. وقد توغل البعض في الحديث عن دور
وسائل الأعلام والاتصال الحديثة وخاصة
التلفزيون والقنوات الفضائية منها في خلق
وعي أكبر بهذه الحقوق وعلى رأسها المواطنة. فقد كان
من الممكن ان تلعب وسائل الاعلام دورا هاما
في جملة هذه التحولات عبر خلقها لفضاء فسيح
او لمساحة تتصارع فيها الأفكار والمبادئ
بحيث توفر للمواطن المعلومة التي هنا تشكل
عامل قوة خاصة في مجالات كحقه في المواطنة
وما يترتب على ذلك من حقوق أخرى. وفيما
يكتسح طوفان العولمة هذا العالم بأكمله
ونحن في العالم العربي كجزء لا يتجزأ منه،
برزت إلى السطح عشرات بل مئات الدراسات
والبحوث في مجال تأثيرات هذه العولمة على
الدول ثم المجتمعات. وفيما ترى الغالبية من
الباحثين بأن العولمة قادمة لا محالة وان
الوقوف الدوكنيشوتي في وجهها سينتهي
بالفشل الذريع، ألا ان ذلك لا يعني العمل على
التخفيف من حدة انعكاساتها وخاصة فيما
يتعلق بتهميش فئات كبيرة من المجتمع وخاصة
منها النساء والأطفال وغيرهم من المهمشين
أصلا في مجتمعاتنا العربية التقليدية. وينظر
العديد من المهتمين بكثير من القلق
للتحولات السريعة، الناتجة عن عولمة
الاقتصاد، في ملكية وسائل الأعلام وسيطرة
فئة صغيرة (شركات متعدية الجنسية او عابرة
للقارات) على مختلف وسائل الاتصال، ومدى
انعكاس ذلك على سياسات هذه المؤسسات وعلى
مضمون المواد التي تقدمها هذه المحطات.
وتجدر الإشارة هنا الى ان أعلامنا العربي
أيضا قد اصبح في أيدي بضعة أفراد او مجموعات
رأسمالية تعمل في مجال الأعلام كما لديها
استثمارات في مجالات مختلفة أخرى. وهي في
الغالب تمتلك لمحطة او محطات فضائية الى
جانب عدد من المجلات وشركات إنتاج الأغاني ...الخ
على سبيل المثال لا الحصر هناك أفراد ك صالح
كامل صاحب قنوات راديو وتلفزيون العرب ART
، كما ان هناك مجموعة أوربت (تلفزيون ومحطات
إذاعية)، وMBC راديو وتلفزيون أيضا...الخ.
ويمكن
وصف المواد الإعلامية في عصر العولمة على
أنها قد تحولت الى سلعة،
ومادة للاستهلاك ونشر ثقافة الاستهلاك،
وتوحيد الثقافات او تقليصها في ثقافة واحدة
وبذلك تهمش من أصوات الاقليات والثقافات
المختلفة. يذكر مدير التحرير السابق في
جريدة "شيكاغو تريبيون" في تحليله لوضع
الصحافة اليوم وهو وضع ينعكس على أجهزة
الاعلام على مختلف أنواعها، "كانت مهمة
الصحافة على الدوام تأمين التربية الحسنه
للناس. أما اليوم فاصحاب الصحف يعتقدون على
العكس من ذلك، ان الصحافة لم تعد الا عملا
تجاريا، وأنها مثل سائر الأعمال، لا بد ان
تحقق قبل كل شيء الأرباح المادية." (Le Monde diplomatique،
فبراير 1999).
"وللمرة الأولى في التاريخ سوف تتعرض
ثقافات الماضي الى التحدي، ليس من قبل ثقافة
عالمية فحسب، وانما ثقافة اقتصادية،
فالثقافة المعاصرة هي السلعة التي تباع
جيدا، وليس ما ينتقل من الماضي." (ثورة
الاتصالات والمعلومات والاقتصاد
العالمي، دبي، 1998)
لقد أصبحت الثقافة والخدمات الأخرى التي
تصاحبها أكبر صناعة عالمية ألان، فعلي سبيل
المثال تبلغ قيمة صادرات الولايات المتحدة
الأمريكية من الأفلام السينمائية
والبرامج التلفزيونية بالدولارات ضعفي
صادراتها من الطائرات، وتبلغ العوائد
الناجمة عن مباريات كأس العالم والألعاب
الأولمبية عدة مليارات من الدولارات...الخ.
وفي هذا الصدد لا يمكن ان ننسى الضجة التي
دارت في مصر حول حقوق بث بطولة كأس القارات
لكرة القدم والذي شارك فيها المنتخب الوطني
المصري حيث استطاعت شركة ART شراء حقوق
البث في الدول العربية والتي بلغت تكلفتها 8
ملايين دولار.(روزاليوسف 31/7 6/8 1999).
وقد غيرت العولمه حتى من وسائل التعبير
والألفاظ والعبارات والكلمات والقيم...ومثال
على ذلك برنامج مثل "من سيربح المليون"
والذي يذاع بلغات عدة وتسوقه شركة واحدة
تمتلكه مناصفة مع القنوات التي تبثه بكل لغة.
فهو ينشر ثقافة الاستهلاك في مجتمع اصبح فيه
المثل الشعبي "لديك قرش فأنت تساوي قرش" هو
الشعار السائد. وهي ثقافة تساهم في نشرها
ايضا تلك المحطات عابرة الحدود والقارات. عولمة
النساء... كما جاء
مؤتمر بيجينج ليركز على القضايا الأساسية
المرتبطة بالمرأة والتحديات التي تواجهها
في ظل كل هذه التحولات وصدرت الوثيقة التي
شكل فيها بند الاتصال أحد أهم العناصر التي
قد تساهم في تحويل تعلان بيجيج الى واقع
ملموس. الا انه وبعد مضي خمس سنوات وانعقاد
مؤتمر المتابعة (بيجيج + 5) لم يحضا موضوع
الأعلام والاتصال بنصيب هام حتى ضمن
الوثيقة الجديدة. فلا تزال التحديات
والمعوقات التي تواجه المرأة كما هي وفي
المقابل برزت تحديات ومعوقات جديدة وأهمها
على وجه الخصوص الدور الذي تلعبه المرأة في
وسائل الاتصال والأعلام الحديثة وخاصة
القنوات التلفزيونية الفضائية.
وهنا تجدر الإشارة إلى ان العمل على فهم
واقع المرأة في الأعلام وخاصة في القنوات
الفضائية التلفزيونية غير ممكن دون هذه
الخلفية الأساسية والتي تؤكد على ان دراسة
وضع المرأة في أي مجال كان، لا يمكن فهمه دون
فهم الظروف العامة المحيطة به وخاصة ظروف
المجتمع. فلا يمكن دراسة وضع المرأة في
الاعلام او دورها دون فهم واضح لواقع المرأة
في مجتمعها بشكل عام والتحولات التي طرأت
على هذا المجتمع على وجه الخصوص. فهل عكست كل
هذه التحولات التي أحدثتها العولمة تحول
نوعي في دور المرأة وواقعها لينعكس ذلك
بدوره على وضعها في مجالات الاعلام الحديثة. ويؤكد
تقرير لليونسكو على انه لا يمكن فهم واقع
المرأة في الاعلام دون فهم أوسع للمجتمع
والفضاء العام الذي تتحرك فيه "باعتباره
موضوعا معزولا ومجتزأ، كما لوكان في
الإمكان تحليل علاقة المرأة بوسائل
الاعلام وصياغة مقترحات لتغييرها بدون
الرجوع الى مجموع العوامل الاجتماعية
المتضمنة، أي مجموع النظام الاجتماعي الذي
تكسب فيه هذه العلاقة سماتها الخاصة
وديناميتها الخاصة." وتحاول
هذه الورقة المختصرة النظر في عدة نقاط
أهمها: 1. التطورات السريعة التي طرأت على تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وخاصة تلك القنوات العابرة للحدود مثل القنوات الفضائية والتي أثرت بشكل كبير على العديد من النساء العربيات سلبا وإيجابا. 2. زيادة العدد من النساء العاملات في مجال التلفزيون، الا ان هذه الزيادة في العدد لم تنعكس على قدرتهن في صنع القرار ضمن المؤسسات الإعلامية التي يعملون بها، او حتى التأثير على مضمون البرامج التي تقدمها. 3. عدم توفر حساسية خاصة لدى البرامج والسياسات الإعلامية بالنسبة لقضايا النوع (التمييز حسب الجنس). 4. زيادة الترويج لثقافة الاستهلاك. وهنا
يجدر توضيح ان هناك نقص شديد في الدراسات
والبحوث التي تتناول دور المرأة في
المؤسسات الإعلامية وخاصة القنوات
الفضائية. فمعظم الدراسات تركز على صورة
المرأة في الاعلام وخاصة تلك المرتبطة
باستغلالها في الإعلانات التجارية
للترويج لسلعة ما. الا ان صناعة الثقافة بشكل
عام والأعلام على وجه الخصوص قد شهدت تطورات
مذهلة في فترة زمنية قصيرة جدا مما يدعونا
للبحث أولا في تلك الصناعة وفي الدور الجديد
للمرأة فيها وهل انعكس ذلك على فهم أوسع
لمشاكلها وقضاياها او حتى على وصولها الى
صنع القرار في مثل هذه المؤسسات. وفي تركيزنا
على وسائل الاتصال الحديثة وبالتحديد
القنوات الفضائية التلفزيونية هو أدراك
الى ان هذه المحطات تشكل للعديد من النساء
العرب النافذة الوحيدة التي تطل منها على
العالم والفضاء الخارجي بعيدا عن الحدود
والقيود المفروضة عليهن، خاصة وأننا نعيش
في مجتمعات نسبة الأمية فيها بين الإناث قد
تصل في بعض الأحيان الى 85%. كلما
اتسعت المساحة...... كلما قلت
المعرفة والحرية
قد تكون المساحة المتاحة او
الفضاء الإعلامي قد ازداد اتساعا، الا ان
ذلك لم ينعكس إيجابا على حرية التعبير
والمشاركة.. بمعنى ان عبارة "دع مليون زهرة
تتفتح" لم تنعكس تفتح الأزهار بل بضيق
المساحة المتاحة للتعبير الحر. بل ان هذه
المساحة انحصرت أكثر وأكثر في مواضيع هي
الأقل أهمية بالنسبة للمواطنين العرب نساء
كانوا ام رجال. وكما
ذكرنا سابقا تحولت ملكية العديد من المحطات
التلفزيونية كما هو الحال بالنسبة لأجهزة
الاعلام على اختلاف أنواعها من ملكية
للدولة الى ملكية القطاع الخاص او رأس المال
الذي قد لا يكون وطني. بل وشهدت السنوات
القليلة الماضية سيطرة حفنة صغيرة من أصحاب
الأموال على معظم وسائل الاتصال وهذه ليست
بالظاهرة الخاصة بالعالم العربي بل أنها
ظاهرة عالمية فموردوخ يمتلك محطات
للتلفزيون وجرائد واستوديوهات وغيرها في
دول مثل الولايات المتحدة و روسيا وتايلندا ..
الخ وهناك أكثر من موردوخ في العالم وعالمنا
العربي على وجه الخصوص. فقد حولت العولمة
طبيعة وتركيبة الاعلام من أداة لعامة الناس
الى شركة خاصة عابرة للقارات والحدود. وأصبحت
الثقافة السائدة لهذه القنوات هي ثقافة
الاستهلاك. ولم يكتفي القائمون على هذه
المحطات بنشر الفكر الاستهلاكي عبر المواد
الإعلامية فقط، بل بدأ الأمر ينتقل الى
اختيار مقدمين للبرامج يقومون بنشر هذا
الفكر وهذه الثقافة. فقد أصبحت من أهم
المؤهلات لدى العاملين في الحقل الإعلامي
وخاصة المذيعات منهن، المظهر الخارجي. فلم
يعد هؤلاء الإعلاميين متخصصين في تسويق نمط
من الحياة والثقافة والاستهلاك فقط بل انهم
يغذون مشاهديهم بصور معينة وأيديولوجيات
خاصة تقدس الماديات. ويصف ستوارت اون ما
اسماه بالثقافة او الحضارة الإعلامية "الثقافة
الإعلامية لم تعد مجرد مملكة يدخلها الفرد
بهدف المتعة ولكنها أصبحت عالم يستهلك ضمير
البشر." ويضيف
بأن الخيال هو المملكة التي يتم فيها
الاستغلال الاقتصادي ولذلك فيجدر بنا ان
نثير الأسئلة فيما يتعلق باستعمار الخيال
من قبل فئة من أولئك المسؤولين عن صناعة
الفنتازيا او الوهم حيث تتحول هذه المواد
الى وسائل لتراكم الثروة وأسلحة مهمة
للسلطة لوضع الفرد الاجتماعي بل وللتعامل
بين البشر بشكل عام. ففيما
كان النقاش حتى الماضي القريب منصب على
الصور التي تبعثها او ترسخها وسائل الاعلام
الغربية نحو غرس عادات وتقاليد غريبة عن
مجتمعاتنا، اصبح المطروح اليوم هو اغتراب
الصورة التي تطرحها أجهزة التلفزيون
العربية عن واقع المرأة، بل وخلق صورة جديدة
تعمل معظم النساء العربيات على التشبه بها.
كل ذلك دون تحول او تغير حقيقي في واقع المرأة
ودورها في المجتمع. فاصبح القائمون على هذه
الأجهزة مسؤولون حقيقة عن نشر ثقافة هي في
مضمونها لا يمكن وصفها سوى بالتسطيح
والتفاهة واصبح الهدف الحقيقي هو المتعة
والتسلية والترفيه في جو من المنافسة
الشديدة بين القنوات الفضائية العربية. ففي
ظل تحول الاعلام والتلفزيون بشكل خاص الى "سلعة"
يجب تسويقها بشكل جيد، بمعنى ان جودة اية
محطة تلفزيونية تعتمد أساس على كيفية
تسويقها كما هو الحال بالنسبة لأية سلعة
أخرى كعلبة الصابون مثلا...الخ. وفي هذا
الإطار لجأت معظم هذه المحطات الى كل الخدع
واللعب الموجودة لاستقطاب المشاهد العربي
ليس فقط من المحيط الى الخليج بل وأيضا ذلك
المهاجر في دول العالم المختلفة. واعتمدت في
ذلك على فهم لواقع مثل هذه المجتمعات
العربية حسب تعبير أحد المسؤولين عن
المحطات الفضائية عندما تحدث امام نخبة من
القائمين على المحطات التلفزيونية
العربية حيث قال بأنهم يعتمدون على الجنس في
تسويق محطتهم لمجتمعات عربية محافظة الا
إنها تمتلك قدرة شرائية كبيرة وكان بذلك
يعني بعض الدول العربية الخليجية.
وهناك أمثلة عدة تؤكد كلام هذا المسؤول
فكيف نستطيع تفسير ظاهرة برامج مثل "ما آلك
ألا هيفا" على سبيل المثال لا الحصر، وهو
برنامج يبث في الفترة الصباحية ويستهدف
المشاهدين من النساء او ربما ربات البيوت
على وجه التحديد. الا انه استطاع ان يتحول الى
برنامج يشد جميع المشاهدين وقد يكون من
الرجال اكثر من النساء، فقد كثرت الطرائف
التي ليست كلها من صنع الخيال. فقد لوحظ مثلا
اختفاء الموظفين بالدوائر الحكومية في
أجدى الدول الخليجية من مكاتبها ساعة بث
البرنامج. وسرعان ما انكشف السر فجميع
الموظفين مولعين بمشاهدة هيفا وطبعا ليس
بلعبة الايروبك والرياضة البدنية!!!
وقد استطاعت لبنان على سبيل
المثال ان تكون بحق عاصمة للفضائيات
العربية حتى ان معظم ان لم يكن كل الفضائيات
العربية التي تبث برامجها خارج الدول
العربية(MBC, ART, Orbit ) تنتج بعض البرامج
في لبنان. بل ان محطة مثل ال MBC حاولت
الانتقال من لندن الى لبنان،وعندما جوبهت
بمعارضة شديدة من قبل المحطات اللبنانية
توجهت إلى دبي حيث من المتوقع ان تنتقل
العديد من المحطات الى المدينة الإعلامية
هناك. وبذلك
انتشرت خلال الخمس سنوات الأخيرة على وجه
التحديد ظاهرة جديدة هي ظاهرة المذيعة "النجم"
او المذيعة التي تستقطب المشاهد ليس لمضمون
ما تقدمه في برنامجها بل مدى قدرتها على شد
الانتباه. ولوحظ ازدياد عدد العاملات في
مجال التلفزيونات العربية بشكل كبير وهن في
الغالب من فئة عمريه معينة وبمواصفات شكلية
خاصة جدا، بل وقد تعد الأمر ببعض المحطات
ليصل الى استخدامهم لملكات جمال سابقات او
عارضات أزياء...الخ دون النظر الى إمكانية كلا
من هاتة النسوة او الفتيات ومؤهلاتهن
المهنية تلك التي تؤخذ بالاعتبار حتما
بالنسبة للرجل. ويبدو
ان هناك شروط خاصة بلبس هاته المذيعات حتى
وان لم يكن معلن، وفي إحدى المؤتمرات
المتخصصة في الجامعة اللبنانية الأمريكية
وقفت مذيعة معروفة شابة (لاتزال طالبة بتلك
الجامعة) لتعترف بأن اختيارها كان بناء على
شكلها وصغر سنها وقبولها بإظهار "مفاتنهن".و
أضافت بأنه لو كانت قد تقدمت مذيعة شابة أخرى
اكثر كفاءة مني ولكنها محجبة فمن المؤكد
إنها لن تحظى بهذه الوظيفة او أية وظيفة في
أية محطة فضائية أخرى. كما
ويبدو واضحا لأي مراقب ان مقدمات البرامج
محصورات او ربما "حبيسات" البرامج
الترفيهية، الخفيفة والمسلية ونادرا ما
توجد امرأة مقدمة لبرنامج سياسي او اقتصادي
او ثقافي جاد. حتى في المحطات التي تبدو اكثر
جدية من غيرها والمتخصصة في البرامج
الأخبارية مثل تلفزيون الجزيرة حيث يتوازى
فيه العدد بين النساء والرجال وحيث ان
المواصفات التي تأخذ في الاعتبار عند تعيين
المذيعات تبدو مهنية اكثر من المحطات
الأخرى الا انه نادرا ما نجد أي من العاملات
بهذه المحطات يقدمن برامج سياسية، حوارية
او ثقافية بلا ان مقدمي البرامج بالمطلق هم
من الرجال. لا بد من
الإشارة هنا الى ان المحطات الفضائية التي
لا تزال تخضع لسلطة الدولة ولم تتحول الى
ملكية خاصة مثل القنوات الفضائية المصرية
وغيرها، لا تزال بعض المقاييس والمعايير "الفضائية"
الحديثة لم تطغى عليها. بمعنى ان هناك بعض
المذيعات اللاتي يقدمن برامج أكثر عمق، كما
ان العديد من النساء بل ان معظم القنوات
المصرية ترأسها نساء. وحتى
نكون منصفين لهذا الكم من النساء العاملات
في مجال المحطات الفضائية العربية علينا ان
نعي بأنهن غير قادرات على تغيير هذا الوضع
القائم بل قد تواجه من تريد التغيير بالصد او
ربما الفصل من العمل خاصة وان كم الفتيات
الواقفات على أبواب المحطات الفضائية في
تزايد مستمر عندما تحولت المذيعة الى مركز
قريب من الممثلات والمشاهير في المجتمعات
العربية. وبذلك فقد اصبح حلم العديد من
الفتيات العربيات هو الحصول على وظيفة
مقدمة برنامج ما يشكل مفتاحها للحياة
العامة والشهرة وربما لتحقيق نفس الحلم-الوهم
الذي تروج هي له حتى صدقته. فقد
اصبح الفضاء التلفزيوني مليء بالصور "Images
" التي تساهم في خلق ثقافة جديدة تعتمد في
مجملها على الحسيات وتهمل الثقافة، والقيم
وفي الكثير من الأحيان فيها ظلم حقيقي
للمرأة التي تقع فريسة لهذه الصور وتنزلق في
مجال تقليدها دون أدراك منها او وعي حقيقي.
فهناك مظاهر "للحداثة" تصنع حيث تتحول
التقاليد الى شكل من الاستقرار رغم الحركة
الظاهرة والتعبيرات او صور التغيير التي
تبرز، وبذلك تبدو الصور الحداثية مجرد
انعكاس متجدد او حديث لنفس تلك المعتقدات
القديمة.
ومن الملاحظ والمحزن حقا هو
انعدام قيم المهنية او الحرفة عند اختيار
المذيعات مما يكرس هو الأخر نفس تلك الصورة
القديمة-الجديدة للمرأة على إنها كائن غير
مثقف ولا يملك القدرة على التحليل او فهم
الأمور غير تلك المرتبطة بالتسلية
والترفيه. وأصبحت المحطات الفضائية اليوم
تعيد تكرار تلك الصورة القديمة للمرأة
بلباس حديث، خاصة فيما يتعلق بالمقاييس
العمرية، الجسدية (الخصر، والشعر،...الخ). وهذا
بالطبع يعود الى تحول المحطات التلفزيونية
بل وكل المواد الإعلامية الى "سلعة" من
الواجب تسويقها، ولكن الأهم في الأمر هو
انعدام توفر خرائط اجتماعية للبرامج
التلفزيونية ألا في النادر طبعا. فقد اصبح
الهدف الرئيسي لهذه المحطات، وكما قلنا
سابقا، هو التسلية وتقضية الوقت الممتع
وتحريك الغرائز. حتى صح فيها الوصف الذي
أطلقه عليها مدير أحدى المحطات
التلفزيونية الخليجية عندما قال في مقابلة
مع محطة NBN اللبنانية ان القنوات
الفضائية العربية هي "كباريهات" وليست
محطات تلفزيونية. ففيما
كانت الأفلام السينمائية والمسلسلات في
الماضي هي التي تضع نماذج جاهزة لتحتذي بها
الفتيات والنساء في مجتمعاتنا العربية،
أصبحت مقدمات البرامج والمذيعات هن اللاتي
يخلقن هذا النموذج اليوم. كم
أكبر ..فعل أقل
من كل ما سبق نجد ان المقولة
القديمة التي كانت تنص على ان زيادة عدد
العاملات من النساء في مجال الاعلام بشكل
عام والمحطات التلفزيونية على وجه الخصوص
سيؤدي حتما الى تحول حقيقي في نوعية البرامج
والمواد التي تقدمها هذه المحطات للمشاهد
وخاصة منها المرتبطة بهموم ومشاكل وقضايا
المرأة العربية. فهل تحقق هذا الأمر مع هذا
الكم الهائل من الفتيات المقدمات للبرامج
ومذيعات نشرات الأخبار وبالتأكيد مذيعات
الربط؟ الإجابة على ذلك بالتأكيد هي بالنفي
لا لشيء الا إذا ما قمنا بدراسة سريعة لنوعية
البرامج التي تقدم وإذا ما علمنا بأن قضايا
مثل قوانين الأحوال الشخصية في
المنطقة العربية، وضع المرأة في المجتمع،
دور المرأة في صنع القرار والتنمية، ختان
الإناث، جرائم الشرف، التسمين وغيرها من
القضايا التي تبرز في معظم المؤتمرات
والتجمعات المختصة وهي تعد ضمن القضايا
الرئيسية التي حملتها النساء العربيات الى
مؤتمر بيجينج، إذا علمنا ان معظم ان لم يكن كل
هذه القضايا لا تطرح للنقاش على محطاتنا
الفضائية الا نادرا وفي الكثير من الأحيان
ليس من قبل نساء!!!
والسؤال المطروح هنا هو " هل استطاعت
المرأة "المذيعة" الجديدة ان تعكس تغير
حقيقي في المجتمعات العربية نحو حرية أكبر
في ا لتعامل مع الجسد او النظرة الى المرأة
ودورها بشكل عام؟؟ أم أنها
خلقت أيضا "faηade" او شكل خارجي يعكس
واقع لا تزال في النساء حبيسات للعديد من
الأنظمة والقوانين والعادات والتقاليد
التي تجبر نفس تلك المرأة، "المتحررة" على
الشاشة، الى بيت الطاعة او في أحسن الأحوال
عدم السفر دون آذن من الزوج...الخ من الأنظمة
والقوانين والعادات التي لم تتغير. وبذلك
تصبح الصورة عبر القنوات الفضائية هي مجرد
شكل أخر من أشكال صناعة الوهم بأن واقع
المرأة العربية قد تحول فعلا وان ذلك قد عكس
نفسه بزيادة حقيقية في ظهورها عبر شاشات
التلفزيون. فهل غيرت هذه الصور المتراصة من
نظرة المجتمع لمفهومي "الشرف" و"العار"
الذين يحكمان العلاقات والتعامل مع المرأة
العربية. والجدير بالذكر هنا ان هاته المذيعات في مقابلاتهن المتكررة عبر المجلات النسائية و |